أبي بكر جابر الجزائري

32

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

بينهم وهو الحسد على الكفر فكفروا به وكذبوه فهذه الآية نظيرها آية البقرة : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ . وكقوله في سورة البينة لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ هذه تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من جهة ، ومن جهة أخرى إعلام منه تعالى بأنه سيحكم بينهم ويفصل ويؤدى كل واحد ثمرة كسبه من خير وشرفى هذه الحياة وذلك يوم القيامة . وقوله : ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ « 1 » مِنَ الْأَمْرِ أي من أمر ديننا الإسلام الذي هو دين الأنبياء من قبلك فلم تختلف شريعتك في أصولها على شرائعهم ، وعليه فاتبعها ولا تحد عنها متبعا أهواء الذين لا يعلمون من زعماء قريش الذين يقدمون لك اقتراحاتهم من الوقت إلى الوقت ولا أهواء ضلال أهل الكتابين من اليهود والنصارى إنهم جهال لا يعلمون هدى اللّه ، ولا ما هو سبيل النجاة من النار والفوز بالجنة في الآخرة ، ولا هو سبيل العزة والكرامة والدولة والقوة في الدنيا . وقوله : إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي إنّك إن اتبعت أهواءهم واستوجبت العذاب لن يدفعوا عنك ولن يكفوك شيئا منه ، وقوله : وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي في الدنيا فيتعاونون على الباطل والشر أما في الآخرة فلا ينصر بعضهم بعضا ولا هم ينصرون من قبل أحد وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ، أما المتقون فاللّه وليهم في الدنيا والآخرة ، فعليك بولاية اللّه ، ودع ولاية أعدائه ، فإنها لن تغني عنك شيئا . وقوله تعالى : هذا بَصائِرُ « 2 » لِلنَّاسِ يريد القرآن الكريم إنه عيون القلوب بها تبصر النافع من الضار والحق من الباطل فمن آمن به وعمل بما فيه اهتدى إلى سعادته وكماله ومن لم يؤمن به ولم يعمل بما فيه ضل وشقى . وقوله وَهُدىً وَ « 3 » رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي أن القرآن الكريم كتاب هداية ورحمة عليه يهتدى المهتدون ، ويرحم المرحومون وهم الذين أيقنوا بهدايته ورحمته فعملوا به عقائد وعبادات وأحكاما وآدابا وأخلاقا فحصل لهم ذلك كما حصل للسلف الصالح من هذه الأمة ، وما زال القرآن كتاب هداية ورحمة لكل من آمن به وأيقن فعمل وطبق بجد وصدق أحكامه وشرائعه وآدابه وأخلاقه التي جاء بها وقد كان خلق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن لقول عائشة رضى اللّه عنها في الصحيح كان خلقه القرآن .

--> ( 1 ) عَلى للاستعلاء أي التمكّن والثبات والشريعة الدين والملة المتبعة والأمر الشأن العظيم والأمر هو أمر اللّه تعالى الذي أراده لك ولأمتك من الدين المنجي المسعد في الدارين . ( 2 ) البصائر جمع بصيرة وهي إدراك العقل الأمور على حقيقتها شبهت ببصر العين . ( 3 ) القرآن هدى ورحمة لكل من يهتدي بهداه ويتعرض لرحمته العمل به وخص به لذلك أهل اليقين لأنهم القادرون على الأخذ بهدايته والتعرض لرحمته والعمل به .